عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
153
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
لما ذكرت عذاب النار أزعجنى * ذاك التذكر عن أهلي وأوطاني وصرت في القفر أرعى الوحش منفردا * كما تراني على وجدى وأحزانى وذا قليل لمثلى بعد جرأته * فما عصى اللّه عبد مثل عصيانى نادوا علىّ وقولوا في مجالسكم * هذا المسىء وهذا المجرم الجاني فما ارعويت ولا قصرت من زللى * ولا غسلت بماء الدمع أجفانى ( الحكاية السادسة والعشرون بعد المئة : عن عبد اللّه بن الأحنف رحمه اللّه تعالى ) قال : خرجت من مصر أريد الرملة لزيادة الروذباري رضي اللّه عنه ، فرآني عيسى بن يونس المصري رحمه اللّه تعالى ، فقال لي : هل أدلك ؟ قلت نعم ، فقال عليك بصور ، فإن فيها شيخا وشابا قد اجتمعا على حال المراقبة ، فلو نظرت إليهما نظرة لأغنتك باقي عمرك ، قال : فدخلت عليهما وأنا جائع عطشان وليس على ما يسترني من الشمس ، فوجدتهما مستقبلين القبلة ، فسلمت عليهما وكلمتهما فلم يكلمانى ، فقلت : أقسمت عليكما باللّه إلا ما كلمتمانى ، فرفع الشيخ رأسه وقال : يا ابن الأحنف ما أقل شغلك حتى تفرغت إلينا ، ثم أطرق ، فأقمت عندهما ثلاثة أيام بلياليهن لم نأكل فيها ولم نشرب ؛ فلما كان عشية اليوم الثالث قلت في نفسي : لابد من سؤالهما في وصية أنتفع بها باقي عمرى ، فرفع الشاب رأسه وقال : عليك بصحبة من يذكرك اللّه تعالى بنظره ، ويعظك بلسان فعله لا بلسان قوله ، ثم التفت فلم أرهما رضى اللّه تعالى عنهما ونفع بهما ، وأنشد لسان الحال : شدوا المطايا قبيل الصبح وارتحلوا * وخلفونى على الأطلال أبكيها ( الحكاية السابعة والعشرون بعد المائة : عن أبي القاسم الجنيد رضي اللّه عنه ) قال : رأيت إبليس في المنام نعوذ باللّه منه وهو عريان ، فقلت له : أما تستحى من الناس ؟ فقال : أهؤلاء عندك من الناس ؟ قلت نعم ، قال : لو كانوا من الناس ما تلاعبت بهم تلاعب الصبيان بالكرة ، ولكن الناس غير هؤلاء ، قلت من هم ؟ قال قوم في مسجد الشونيزية قد أضنوا جسدي وأحرقوا كبدي ، كلما هممت بهم أشاروا للّه تعالى ، فأكاد أحترق . قال الجنيد رضي اللّه عنه : فلما استيقظت من النوم